السيد محمد حسين الطهراني

18

معرفة الإمام

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> وأرسلني والدي من سامرّاء إلى الكاظميّة لشراء بعض المخطوطات ، ومنها هذا الكتاب ، وأوصاني أن أشتري هذا الكتاب مهما كان ثمنه . فجئت الكاظميّة ، واشتريت هذا الكتاب عند عرض المكتبة في المزاد بسعر باهظ ، وجلبته إلى سامرّاء مع كتب أخرى . وأصبحت هذه الكتب جزءاً من مكتبة والدي . فلم تمض مدّة طويلة على ذلك حتّى جاءني سادن حرم الإمامين العسكريّينِ عليهما السلام يوماً وهو رجل سني فقال : جاء أحد المستشرقين ونزل في بيتنا وهو يرغب في لقاء والدك ليطرح عليه أسئلته . فاستأذن أباك ليأتي عنده . وأخبرتُ والدي المرحوم آية الله الميرزا محمّد الطهرانيّ بذلك فقال : لا مانع من مجيئه فليأت متى شاء . وأخبرت السادن بموافقة والدي على اللقاء . وفي اليوم الثاني جاء السادن . بمعيّة ذلك المستشرق إلى بيتنا وجلسا في مكتبة والدي حيث محلّ مطالعته وتأليفه . ووجَه المستشرق أسئلته حول بعض العلوم والكتب ، وأجابه والدي ، ثمّ سأله عن كتاب « الدرّ النظيم » ومؤلّفه ومواصفاته فأجابه الوالد . وبعد ذلك سأله قائلًا : هل عندك الكتاب ؟ ! فقال الوالد : نعم ، هو عندي . قال المستشرق : هل لي أن أراه ؟ قال : نعم ! قم يا أبا الحسن واجلب الكتاب من الرفّ الفلانيّ وأعطه إيّاه ! فقمت وأخذت الكتاب ووضعته بين يديه . فرفعه وتصفّحه بدقّة ، وأنعم النظر في ورقه وجدوله المرسول وصفحاته وغلافه ، ثمّ أطبقه ووضعه على الأرض ، وقال : هل تبيعه ؟ ! قال والدي : لا ! قال : أرجوك أن تبيعني هذا الكتاب بأيّ ثمن كان ! قال : لا ، لا يمكن ! قال : لا تهتمّ لقيمته ، فأنا أشتريه بأيّ ثمن تتفضّل به . فقال والدي : ألا تنظر هذه المكتبة ، لو صُبّت لي كلها ذهباً خالصاً على أن أبيع هذا الكتاب ، ما بعته . فيئس المستشرق وقام وذهب مع السادن ، وأرجعتُ الكتاب في مكانه . وفي اليوم الثاني قال لي السادن : هذا الرجل يريد الكتاب ، وجاء من اوروبّا لشرائه . ولمّا كان يعلم أنّ الكتاب هو من كتب المرحوم كبّة وانتقل إلى مكتبة الميرزا محمّد الطهرانيّ ، لذلك قدم إلى سامرّاء مباشرة من قبل المسؤولين العراقيّين ، ونزل في بيتنا ، وطلب مني أن أتوسّط لشراء الكتاب ، وأنا اطمئنك أنّه يشتريه مهما كان ثمنه . فقلت له : هذا الكتاب ناموس . إنّه ناموس الإسلام . وهل يبيع المرء ناموسه للأجنبيّ ! ؟ هل أنت مستعدّ لبيع ناموسك وعرضك ولو كان الثمن باهظاً ؟ ! قال : لا . قلتُ : إنّ أهمّيّة هذا الكتاب تفوق العرض والناموس الإنسانيّ . ذلك أنّه ناموس الدين والشريعة وناموس الإسلام ، وهو كتاب مخطوط فريد . فيئس السادن من شراء الكتاب وأخبر المستشرق بالأمر . وعلم المستشرق أنّ والدي متعصّب دينيّاً ، وأنّه لن يبيع الكتاب أبداً . فترك سامرّاء . ولما أخبرت والدي بحديثي مع السادن ، قال : لا بدّ أن تغير موضع الكتاب ، انقله إلى الرفّ الفلانيّ ! ذلك أنّه علم موضعه ، وربّما يسرق بطريقة ماكرة من جرّاء تردّد الناس على المكتبة . وبعد وفاة المرحوم الميرزا محمّد الطهرانيّ ، أوقف ورثته كتبه كلها وختموها بختم الوقف ، ثمّ انتقلت وفيها الكتاب المذكور إلى الكاظميّة . وتشرف عليها الآن دائرة الأوقاف الأثريّة العراقيّة . وتعتبر من الكتب المحظور إخراجها من العراق .